الغزالي
178
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تحفة المؤمن في الدنيا الفقر » . وفي الخبر : « آخر الأنبياء دخولا الجنّة سليمان بن داود عليهما السلام ، لمكان ملكه ، وآخر أصحابي دخولا الجنّة عبد الرحمن بن عوف لأجل غناه » . وفي حديث آخر : « رأيته دخل الجنّة زحفا » . وقال المسيح عليه السلام : بشدّة يدخل الغنيّ الجنّة . وفي خبر آخر عن أهل البيت رضي اللّه عنهم أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا أحبّ اللّه عبدا ابتلاه ، فإذا أحبّه الحبّ البالغ اقتناه » . قيل : ما اقتناه ؟ قال : « لم يترك له أهلا ولا مالا » . وفي الخبر : إذا رأيت الفقر مقبلا فقل : مرحبا بشعار الصالحين ، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل : ذنب عجّلت عقوبته . وقال موسى عليه السّلام : يا ربّ من أحبّاؤك من خلقك حتى أحبّهم لأجلك ؟ فقال : كلّ فقير فقير . فيمكن أن يكون الثاني للتوكيد ، ويمكن أن يراد به الشديد الضرّ . وقال المسيح عليه السلام : إنّي لأحبّ المسكنة ، وأبغض النّعماء وكان أحبّ الأسامي إليه صلوات اللّه عليه أن يقال له : يا مسكين . ولمّا قالت سادات العرب وأغنياؤهم للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اجعل لنا يوما ، ولهم يوما يجيئون إليك ولا نجيء ، ونجيء إليك ولا يجيئون ، يعنون بذلك الفقراء مثل بلال ، وسلمان ، وصهيب ، وأبي ذر ، وخبّاب بن الأرت ، وعمّار بن ياسر ، وأبي هريرة وأصحاب الصّفّة من الفقراء رضي اللّه عنهم أجمعين ، أجابهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ذلك ، وذلك لأنهم شكوا إليه التأذّي برائحتهم ، وكان لباس القوم الصوف في شدّة الحرّ ، فإذا عرقوا فاحت الروائح من ثيابهم ، فاشتد ذلك على الأغنياء ، منهم الأقرع بن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، وعبّاس بن مرداس السّلمي وغيرهم ، فأجابهم رسول اللّه أن لا يجمعهم وإيّاهم مجلس واحد ، فنزل عليه قوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ يعني الفقراء تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني الأغنياء وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا يعني الأغنياء وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ